القائمة

عن كاو،

« حياتها.صوتها.شروطها. »

بعض الأصوات تشق طريقها وسط الضجيج. وكان صوت كوثر واحدًا منها.

لم تكن تسعى إلى الاهتمام لذاته. اختارت أن تتحدث حين يكون للكلام معنى، والتزمت الصمت حين رأت أن الصمت هو الموقف الصحيح. استخدمت صوتها بغاية واضحة، ولم تسمح للأضواء يومًا أن تغيّر حقيقتها.

لكن فهم كوثر يقتضي إدراك أن قوتها في المجال العام كانت تنبع من عمق أكبر: من امرأة سريعة الضحكة، شديدة المحبة، لم تفقد يومًا بوصلتها لما يهم حقًا.

كوثر بودراجة 1985-2025

كوثر بودراجة في صورة ظليّة عند غروب الشمس، ويداها مرفوعتان

مقاتلة لم تتراجع أبدًا

كانت كوثر بودراجة مقاتلة بكل ما للكلمة من معنى. لم تتراجع أمام الحوارات الصعبة، ولا ضغوط القطاع، ولا التوقعات التي كانت ستفرض عليها أن تقلّل من حضورها أو تختار الطريق الأسلم. كسرت حدودًا لم يرها الآخرون أصلًا، وفتحت مساحات لم تكن موجودة، وفعلت ذلك كله من دون أن تساوم على القيم التي وجّهتها في العلن وفي حياتها الخاصة.

لم يكن تحدّيها للوضع القائم صاخبًا ولا استعراضيًا. كان ثابتًا ومدروسًا ونابعًا من قناعة صادقة. حين رفضت أدوارًا تكرّس الصور النمطية، أو صفقات مربحة تتعارض مع قيمها، أو أعادت توجيه المقابلات من القيل والقال إلى الجوهر، لم تكن تفعل سوى أن تكون نفسها: هي ذاتها التي كانت تدافع عن أحد أفراد عائلتها، وتحفظ سرّ صديق، أو تساعد إنسانًا بهدوء من دون انتظار التقدير.

الإنسانة وراء المنصة

استمد عملها الإعلامي صدقه من مطابقته لشخصيتها الحقيقية. فالمرأة التي أصرت على التحدث بالدارجة في السياقات المهنية هي نفسها التي علّمت ابنها الأمثال المغربية وحرصت على أن يعرف جذوره. والمقدمة التي أتاحت على التلفزيون مساحة للحوارات الصعبة هي نفسها التي كانت تصغي بعمق لأصدقائها وتقدم لهم النصح العملي حين يطلبونه.

كانت تتمتع بسرعة بديهة تبدد التوتر في أي مكان، ويظهر عليها في الوقت نفسه تركيز هادئ حين تناقش ما يعنيها، مثل حقوق النساء والتمثيل الثقافي والمسؤولية المرتبطة بامتلاك منبر عام. وكانت تجمع في الحديث الواحد بين المرح والجدية، فتنتقل بسلاسة من المزاح مع فريق العمل إلى نقاش عميق حول المحتوى.

وكانت تجمع في الحديث الواحد بين المرح والجدية، فتنتقل بسلاسة من المزاح مع فريق العمل إلى نقاش عميق حول المحتوى.

صورة كوثر بودراجة

الموازنة بين العام والخاص

أدركت كوثر أن الظهور في المجال العام لا يعني أن تكون حياتها مكشوفة. كانت ودودة بصدق مع الناس، تتذكر أسماءهم، وتسأل عن عائلاتهم، وتخصّص وقتًا للأحاديث التي تهمهم. لكنها حافظت أيضًا على حدود واضحة بين ما تشاركه مع جمهورها وما يبقى ضمن دائرتها المقرّبة.

كأم، كانت شديدة الحرص على ابنها وحاضرة بعمق في حياته. حرصت على أن يعيش طفولة طبيعية رغم حضورها العام؛ كانت توصله إلى المدرسة متى استطاعت، وتذهب معه إلى السينما بانتظام، وتخصّص إجازاتها لتتوافق مع عطلته، ولم تسمح لعملها بأن ينتقص من دورها كأم. لم يكن إبقاؤها حياتها العائلية بعيدة عن العلن نابعًا من التكتم، بل كان تجسيدًا لإمكان أن تكون المرأة شخصية عامة من دون أن تتخلى عن حقها في مساحة شخصية.

كانت قريبة جدًا من الله، تقدّر الاحتشام، وظلت متصلة بإيمانها طوال مسيرتها. لم تكن هذه جوانب منفصلة من هويتها، بل أسسًا وجّهت حضورها في العالم، وطريقة معاملتها للناس، وقراراتها المهنية.

النزاهة في كل مجال

لم يُقَس أثرها بارتفاع الصوت، بل بعمقه. وبوصفها شخصية إعلامية وصوتًا ثقافيًا وامرأة مبدئية، تنقلت بين عوالم مغربية ودولية، تقليدية وحديثة، عامة وخاصة، بمزيج نادر من الرقي والقوة. وسواء كانت تقدم برنامجًا تلفزيونيًا، أو تسجل بودكاستها، أو تتناول العشاء مع أصدقائها، ظلت على أصالتها نفسها.

برهنت على أن الإنسان يستطيع أن يكون نفسه بصدق على المحافل الدولية، وأن النزاهة والتأثير لا يتعارضان، وأن التمكين الحقيقي يبدأ بمعرفة ما يستحق طاقته وما لا يستحقها. والأهم أنها أظهرت أن القوة لا تستلزم القسوة، وأن التمسك بالمبادئ لا يعني الجمود، وأن الدفاع عما نؤمن به يمكن أن ينبع من الحب، لا من الغضب أو الكراهية.

حياة عاشتها بكاملها

عاشت كوثر بوعي وقصد. انتقت مشاريعها بعناية، واختارت كلماتها بتروٍّ، وحددت معاركها بحكمة. احتفت بالإنجازات من دون أن تفقد منظورها، وواجهت النكسات من دون أن تفقد الأمل، وظلت فضولية تجاه العالم من حولها حتى مع اتساع شهرتها فيه.

وحتى رحيلها في يونيو 2025، واجهت معركتها الأخيرة مع المرض بالرقي والعزيمة نفسيهما اللذين طبعا كل ما فعلته. ظلت حاضرة لمن أحبّتهم، ممتنة للحياة التي بنتها، وصادقة مع نفسها حتى النهاية.

لم يكن ذلك مجرد شعار مهني، بل كان طريقتها في الحياة. ففي أحاديث الأسرة وصداقاتها ولحظاتها الهادئة بعيدًا عن الكاميرات، منحت كلماتها القدر نفسه من التفكير، وحضورها القدر نفسه من القصد.

واليوم، يستمر ذلك الصوت من خلال المبادئ التي عاشت بها والمساحات التي فتحتها أمام الآخرين. لا بوصفه استعراضًا أو مجرّد تكريم، بل امتدادًا طبيعيًا لعمل ظلّ قائمًا على تواصل إنساني صادق وغاية أصيلة.

ويستمر موقفها من دون مساومة، محتفظًا في الوقت نفسه بدفئه واكتماله وعمقه الإنساني.

السيرة